مار ايشاي شمعون الثالث والعشرون

مار ايشا شمعون آخر الشهداء الشمعونيين
و شهيد آخر في قافلة شهداء كنيسة المشرق و الأمّة الآشورية

الدكتور: بطـرس تشابا

Mar Ishai Shimoun Sahda

بالرغم من أن الكرسي البطريركي كان وراثيا ً منذ بدء العمل بنظام ” ناطر كرسي “، إلا أن الانتخابات الشكلية كانت تسبق تنصيب البطريرك على الكرسي البطريركي. و لأجل هذه الغاية كان ممثلو المدن و القرى و كذلك العوائل و رؤساء القبائل و الأساقفة و الملوك يعقدون اجتماعا ً في مقر البطريركية، و كان لمثل هذا الاجتماع أن ينتخب و يقر البطريرك.
و خلفا ً لأسرة شكمـــير توارث الكرسي الرسولي لبطريركية كنيسة المشرق ثلاث و عشرون بطريركا ً شمعونيا ً و لمدة تقارب الـــ 650 عاما ً ( 1328- 1975 م) . كان أخرهم الشهيد مار إيشا شمعون ، و لم تكن عائلة مار شمعون مجرد عائلة آشورية عريقة فحسب، بل كانت و بحق عائلة مقدسة ، فالشمعونيون كانوا بمرتبة القديسين بالنسبة لأتباع الكنيسة الرسولية المقدسة .

بعد الاستشهاد المأساوي للبطريرك الخالد مار بنيامين شمعون على يد المجرم الغدار سيمكو ، لعنة الله عليه، في 29 أيار 1918 م ، اختير أخوه مار بولص شمعون الطاعن في السن بطريركا ً للآشوريين ، و الذي دامت سلطته قرابة السنتين، ففي 1920 م و بعد توقيعه في العاشر من آب 1919 م لاتفاقية سيفر السلمية مع السلطة التركية توفي مار بولص لتبدأ مرحلة جديدة و انتخاب يجدد عهد الشمعونيين ، إذ ترشح اثنان لتولي الكرسي البطريركي هما تيودور و مار ايشا شمعون . وتم اختيار مار إيشا شمعون بطريركاً جديداً لكنيسة المشرق الآشورية.

ولد قداسة البطريرك مار إيشا شمعون في السادس و العشرين من شباط من عام 1908 في قرية قوجانس غرب آشور ، من أب محترم هو السيد داوود شمعون ، و الذي تقلد أوسمة شرف عديدة إبان الحرب الكونية الأولى وهو أخ البطريركين مار بنيامين و مار بولص شمعون ، أما والدة البطريرك مار إيشا فكانت السيدة الفاضلة استر بيت مطران .

نشأ و ترعرع في بيئة دينية و قومية صالحة ، و تتلمذ اللاهوت على يد الارشمنديريت ياقو توما أشيثا و مار يوسب خنانيشوع . في عام 1920 م و وسط أوضاع مأساوية للأمة و في مرحلة الانتقال الجماعي للآشوريين إلى مندان ، جرت انتخابات البطريرك في بعقوبة و تمت رسامته في كنيسة مارت مريم ليتقلد الكرسي البطريكي و ليكون البطريرك التاسع عشر بعد المائة و البطريرك الشمعوني الثالث و العشرين و الأخير .

بعد أربع سنوات من رسامته، قصد مار ايشا شمعون بريطانيا لإكمال مسيرته التعليمية حيث أنهى دراسته في جامعة كامبرديج وعاد إلى العراق في عام1927 م ليدافع عن مصالح أمته و شعبه الآشوري الجريح .

في عام 1932 م، وبعد حصول العراق على استقلاله، تفاقمت المسألة الآشورية بدلاً من حلها في عصبة الأمم المتحدة، فقد مُنع البطريرك من أن يشارك في بحث المسألة الآشورية في اجتماعات عصبة الأمم في جنيف، فأبدى امتعاضه برسالته المؤرخة في 16 كانون الأول 1932 والموجهة إلى لجنة الطعون الدائمة، واستنكر فيها ما أقرته لجنة الثلاث مبيناً أن القرار المتخذ لا يتطابق مع التوصيات المقدمة من قبل اللجنة سابقا ً و أن القرار الأخير لا يضمن أمن و مستقبل الشعب الآشوري .

غادر البطريرك جنيف متوجها ً إلى بيروت و منها إلى دمشق حيث التقى مع ممثلي الشعب الآشوري و أعلمهم عن نتائج المباحثات ثم وصل إلى بغداد في الثالث من كانون الثاني 1933 م ليلتقي السفير الانكليزي ف. همفريز و رئيس مجلس وزراء العراق السيد نجيب شوكت و من ثم الملك فيصل الأول. ولم يكن يدري بأن هناك مؤامرة خبيثة تحاك ضده وضد شعبه وأمته.

بعد محاصرة بيته و تهديده، بدأ المستشارون الانكليز و المديريات في المناطق العراقية الشمالية بتلفيق معلومات كاذبة عن حياة البطريرك و أنصاره و تقديمها إلى الحكومة العراقية. وعلى إثر تلك المعلومات التي دققها ونقلها المجرم القميء بكر صدقي قائد فرقة الموصل، لعنة الله عليه، بروح معادية للآشوريين، بدأ الاستعداد و التحضير لشن حملة إبادة جماعية جديدة ضد الشعب الآشوري الجريح.

احتجز البطريرك الآشوري في بغداد في 22 أيار 1933 م، و منع من الذهاب إلى شمال العراق و التقاء الرؤساء الآشوريين، وكانت غاية الحكومة العراقية المجرمة من ذلك كسر معنويات القوات الآشورية بفصلهم عن قائدهم. ولكن الحكومة اضطرت بعد قرابة الشهر، ونتيجة ضغط القوى الأشورية، للرضوخ والسماح للبطريرك بالعودة. وبعد عودته قدم البطريرك احتجاجا ً في 29 حزيران 1933 م ضد الدعاية الحكومية العراقية المعادية للآشوريين في اثنتي عشرة سفارة أجنبية معتمدة في العراق، إلا أنها لم تكترث لرسائل الاحتجاج المقدمة من قبل مار إيشا شمعون. و على إثرها تعرض لمحاولة اغتيال من قبل السلطات العراقية أفشلتها استخبارات الكتائب الآشورية بعد فضح أمرها.

في غمرة هذه الأحداث، كانت الكثير من القضايا السياسية الداخلية في العراق قد نضجت؛ كالقضية الكردية، و قضية النزاعات الطائفية بين السنة و الشيعة و غيرها ، و لم تفلح حكومة الكيلاني من تحقيق أية فقرة من الوعود التي قدمتها للبلاد و لم تأت بالحل الموعود ، حيث برزت في البلاد موجة من عدم الرضى على عمل حزب الإخاء الوطني مخيب ظن العراقيين ، و أحد أسباب هذا الاستنكار كان عدم رغبة الحزب في إعادة النظر في الاتفاق الأنكلو – عراقي الجائر. فقد أجبر التهجم على الحزب و زعمائه على أن يبحثوا بالسرعة الكلية عن مخرج و لم يكن العثور على المخرج للوضع القائم إلا بمساعدة الانكليز و تصويب الانتباه و النقمة إلى الخطر الآشوري على العراق، فاقترحوا خطة ” دشتازي ” مع علمهم المسبق بالرفض الآشوري القاطع لها. ولم يبق للآشوريين إلا خيارين: القبول أو الرفض، وهكذا فقد قبل البعض تلك الخطة وسلموا أسلحتهم وواجهوا مصيرهم البائس، ورفضها قسم آخر فكان عليه مغادرة العراق، ومن بين هؤلاء كانت المجموعات المسلحة بقيادة مالك لوكو و مالك ياقو التي توجهت إلى سوريا في ليلة 14 تموز عام 1933، وقد التحقت بهم فيما بعد مجموعات بشرية كبيرة في الفترة بين 23 – 27 تموز عام1933.

كان البطريرك آنذاك معتقلا ً في بغداد و من هناك وجه برقية إلى عصبة الأمم جاء فيها : ” إن وضع الآشوريين متدهور ، و يجبرونهم على اجتياز الحدود السورية ، أنا معتقل من قبل السلطات العراقية فلتتدخل العصبة في الأحداث.” لكن العصبة لم تتدخل. وقد شجع تخاذل عصبة الأمم السلطات العراقية المجرمة على حشد أكبر عدد ممكن من القوى لمهاجمة الآشوريين وارتكاب أبشع المجازر بحقهم. وتم إطلاق دعوات الجهاد المسعورة ضد الآشوريين الكفار، على حد وصف السلطة البربرية، وقدمت الوعود بمكافآت مالية بالجنيهات الإسترلينية عن مقتل كل آشوري، كما أعلنت تلك السلطات أن ممتلكات القتلى تصبح كليا ً ملكاً لناهبيها. فانتشرت عمليات قتل وذبح الآشوريين الأبرياء من شيوخ ونساء وأطفال في كل الأراضي العراقية؛ في العمادية و زاخو و دهوك و شيخان و الموصل و أماكن أخرى كثيرة. ثم توجت السلطة العراقية البربرية، لعنة الله عليها، جرائمها النكراء بذبح أبناء قرية سيميل الآشورية من نساء وأطفال في واحدة من أبشع مجازر التاريخ، وأقذر حملات الإبادة الجماعية و العنصرية والتي بقيت دون محاسبة حتى تاريخه .

يعزى أول الأسباب التي أدت إلى المذابح إلى رغبة الانكليز في نزع الثقة بالعراق أمام الرأي العام العالمي، و إظهار عدم قابلية المجتمع العراقي للتطور الذاتي مما يعزز سبب بقاء الاحتلال الانكليكاني. كما أنهم أردوا أن يكون الآشوريون عبرة لباقي مكونات الشعب العراقي ممن تسول له نفسه طلب الإنفصال. أما السبب الثالث فيعزى لعدم رغبة الانكليز في إقامة حكم ذاتي للآشوريين لئلا يصبحوا مثلا ً يقتدي به من قبل الشعوب المُستعمرة ضمن المستعمرات الانكليزية .
لم تكن المجازر نهاية المطاف، فقد قررت السلطات العراقية بالتعاون مع الإنكليز التخلص من قداسة البطريرك مار إيشا شمعون و عائلته، بهدف ضرب التماسك الآشوري من الداخل و هذا ما تفسره عمليات التصفية الجسدية لأبناء تلك العائلة و نفي البطريرك إلى القاهرة مع بعض أقاربه حيث وجه من هناك إلى جميع الكنائس المسيحية رسائل يناشدهم فيها التدخل لوقف المجازر التي ترتكب بحق الآشوريين، ولكن مناشدته تلك لم تلق آذاناً صاغية لدى تلك الكنائس أو دولها، فتوجه إلى جنيف في الثامن من أيلول عام1933 ، طالباً مساندة دول العالم للشعب الآشوري الذي يتعرض للإبادة الجماعية والتهجير القسري من أرض آبائه وأجداده. ولكن استجابة عصبة الأمم لم تكن أفضل من استجابة الكنائس، وعوضاً عن تقديم يد العون للشعب الآشوري، فقد نصحوا قداسة البطريرك بوجوب مغادرة الآشوريين للعراق أرض الأجداد.

في عام 1940 انتقل قداسة البطريرك مار إيشا شمعون إلى الولايات المتحدة الأمريكية، و كان له انجازات مشرّفه هناك؛ ففي عام 1948 اتخذ الشهيد البطل خطوات و قرارات جديدة غيرت مسار الكنيسة الرسولية، كنيسة المشرق الآشورية، واستطاع أن يبرّأ كنيسته من التهم الموجهة إليها خلال قرون طويلة.

قام بترجمة الكثير من الكتب الكنسية الطقسية من اللغة الآشورية إلى الانكليزية و ارتسم على يده العديد من الأساقفة و المطارنة و أسّس في واشنطن أول كنيسة ناطقة بالانكليزية تتبع لكنيسة المشرق الآشورية و جدد العهد مع كنائس كثيرة تابعة لكنيسة المشرق الآشورية في الهند و الشرقين الأوسط و الأدنى .

في نيسان من عام 1970 خطت الحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر خطوة مهمة عندما أعادت الجنسية العراقية المصادرة للبطريرك مار إيشا شمعون ، حيث كان لهذه الخطوة أن تنهي التوتر الذي دام قرابة 37 سنة بين الآشوريين و الحكومة العراقية، إلا أنها كانت لعبة سياسية أخرى ليس بهدف إحداث مذابح آشورية جديدة هذه المرة، بل لهدف أكثر وحشية وقذارة من السابق ألا وهو طمس الوجود القومي الآشوري و الإجهاز عليه. وهذا ما قرأناه في سياسة الحكومات المتوالية على العراق والتي دأبت و حرصت على أن تتسمى القومية الآشورية بأسماء مذاهبها، و كرست الخلافات بين أبناء الشعب الواحد مستغلة العقائد اللاهوتية المختلفة و بعض النفوس الضعيفة من القيادات الدينية الآشورية.

لم يعمل البطريرك باقتراح الحكومة العراقية لرفضه الانصياع إلى مؤامرات السلطة الرامية إلى تمزيق الأمة الآشورية و تأليبهم على جيرانهم الأكراد فقرر البطريرك العودة إلى الولايات المتحدة ، حيث تم اغتياله في كاليفورنيا على يد أحد أقربائه في السادس عشر من تشرين الثاني 1975 م لينهي باستشهاده تربع العائلة الشمعونية و لمدة سبعة قرون على الكرسي البطريركي الرسولي المقدس .

لم تعرف حتى الآن الأسباب الحقيقية و مأرب اغتياله، و لكن اجتهاد المخابرات العراقية الحثيث في كسر تماسك القيادة الآشورية و استمرار السلطة الفاشية العراقية في سياسة التصفية الجسدية لرموز حركات التحرر الوطني و القومي من جهة ، و الصراع السياسي بين الحركة القومية الآشورية المتصاعدة و السلطة الكنسية على أحقية قيادة الأمة ، لربما يفسر لنا جانبا ً من تلك الحقبة التاريخية المؤلمة في تاريخ الكنيسة و الأمة الآشورية.

بعد مرور 32 عاما ً على استشهاد البطريرك مار إيشا شمعون الثالث و العشرين ، ورغم ما قدم الآشوريون في العراق لعقود طويلة من خدمات جليلة للوطن، إلا أنهم لم يحصلوا على مطلبهم القومي الشرعي و بقيت المسألة الآشورية دون حل لغاية تاريخه.

في تشرين الثاني من كل عام يوجه البطريرك مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية رسالة إلى جميع الكنائس الآشورية في العالم ، تتلى على منابر هياكلها المقدسة في السادس عشر من تشرين الثاني يعزي فيها الأمة الآشورية بشهيدها الخالد.

في ذكرى رحيله، نسأل الله أن يمنح قداسة البطريرك مار إيشا شمعون الشهيد فسيح جنانه و أن يديم على البطريرك مار دنخا الرابع بركاته و أن يعم السلام شعب آشور العظيم.

إننا كآشوريين شرفاء ، يلزمنا وقفة مع الذات في هذا اليوم … وقفة نحن بأمس الحاجة إليها، نتذكر فيها شهداءنا الأبرار، نستلهم قيمهم ومثلهم التي من أجلها قدموا حياتهم رخيصة على مذبح الحرية … حرية الشعب الآشوري والأمة الآشورية … الحرية الآتية مهما حاول الحاقدون على هذا الشعب من أعداء كارهين، وأحفاد عميان قطع الطريق عليها … الحرية التي لا ريب فيها أبداً.
ستبقى…. ذكرى شهدائنا خالدة في ضمائر كل الآشوريين الشرفاء .

ملاحظة: فقط للتصحيح ، تاريخ استشهاد البطريرك مار ايشاي شمعون هو في السادس من تشرين الثاني ١٩٧٥. وليس السادس عشر.